منصة الزهراء الالكترونية
- ما الأسس المعرفيَّة والنفسيَّة التي يُحدّدها القرآن الكريم كمَنشأ للخطأ، أو ما مناشئ الخطأ في نظر القرآن الكريم؟

- بالصور | جانب من السفرة الثقافية التي نظّمتها جامعة الزهراء (عليها السلام)، بالتعاون مع مجمع المبلّغات الرساليات – فرع سوق الشيوخ، إلى مكتبة شيخ الخطباء وقاعة واحة الأسرة والطفل في مدينة النجف الأشرف. وتأتي هذه السفرة في إطار تعزيز النشاطات الثقافية والم

- سفرة دينية لطالبات كشافة الإمام المهدي (عج) إلى مرقد سعيد بن جبير (رض)

- بحضور أكثر من 140 طالبًا وطالبة.. مجمع المبلّغات الرساليات في ديالى يختتم دوراته الصيفية

- بمشاركة أكثر من 140 طالبًا وطالبة.. اختتام الدورات الصيفية في ديالى

ما الأسس المعرفيَّة والنفسيَّة التي يُحدّدها القرآن الكريم كمَنشأ للخطأ، أو ما مناشئ الخطأ في نظر القرآن الكريم؟
2026-09-27
تشكل الأخطاء جزءًا أصيلًا من التجربة الإنسانيَّة، وقد عُني القرآن الكريم بتحديد الأسباب النفسيَّة والمعرفيَّة المسبِّبة لها تشخيصًا دقيقًا؛ إيمانًا بأهمية فهم هذه الأسباب لإرشاد سلوك الإنسان وتوجيه نموه الروحيِّ والعقليِّ نحو الفهم السليم والوعي الذاتيِّ، فالقرآن لا يكتفي بإبراز الحق ومحاسنه، بل يسعى إلى استئصال جذور الضلال عبر الكشف عن الموانع المعرفيَّة والمزالق المنهجيَّة التي تحرف التفكير البشريَّ عن مساره الصحيح. ويبيِّن النص القرآنيُّ أنَّ الخطأ لا ينشأ دائمًا عن خفاء الدليل أو قلة المعرفة، بل يتغذى غالبًا على العلل النفسيَّة، كالاستكبار والهوى، وعلى اختلال أدوات الملاحظة والتحليل، كالعجلة والتقليد والاعتماد على الظن.
سنتناول بعض الأسس المعرفيَّة والنفسيَّة التي يُحدّدها القرآن الكريم كمصادر للخطأ، وكيفية تأثيرها على الفرد والمجتمع؛ إذ يقدم القرآن الكريم تشخيصًا دقيقًا لجذور الخطأ الإنسانيِّ، ومن أبرز الأسباب التي تؤدي إلى الخطأ في التفكير:
الأول: تنزيل الظنِّ منزلة اليقين:
يُعدُّ التعامل مع الشكوك والظنون كأنَّها حقائق يقينيَّةٌ ثابتةٌ من أبسط وأخطر الأخطاء المنهجيَّة التي يقع فيها الفكر البشريُّ؛ حيث يبني الإنسان عليها أحكامه ومواقفه، وقد يصل به الأمر إلى المخاصمة بناءً على احتمالات مرجوحة وأوهام لا أصل لها. ولو التزم المرء بمبدأ "عدم القبول إلا بما هو يقينيٌّ"، لكان في مأمنٍ من الانحرافات على المستويين الفرديِّ والاجتماعيِّ. وقد حذَّر القرآن من اتباع الظن باعتباره سببًا رئيسًا للضلال الجماعيِّ، فقال مخاطبًا نبيه (صلى الله عليه وآله): {إِن تَطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [الأنعام: 116]. كما نهى الإنسان عن التصرف فيما لا يحيط به علمًا: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]، وهو توجيه منهجيٌّ مبكرٌ في تاريخ الفكر البشريِّ للحث على التثبت.
الثاني: العناد المعرفي:
يمثل العناد المعرفي موقفًا يتجاوز مجرد الجهل، ليصبح جحودًا صريحًا مع قيام العلم، وتمرّدًا على الحقيقة بعد التيقن منها في الباطن. فالمنكر هنا لا يجهل الحق، بل يعرض عنه عمدًا واستكبارًا حفاظًا على سلطةٍ، أو رغبةً في الدنيا، أو اتباعًا للهوى. وقد أشار القرآن إلى هذه الحالة في قوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14]. ومثال ذلك موقف فرعون الذي اعترف في باطنه بصدق موسى (عليه السلام) وبصائر آياته، كما يصف القرآن: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ} [الإسراء: 102]، لكنه كابر وجحد حفظًا لملكه. وتكمن خطورة هذا المسلك في كونه ناشئًا عن فسادٍ في الإرادة لا ضعفٍ في الفهم، مما يغلق باب الهداية ويُديم الضلال.
الثالث: التقليد الأعمى والجمود على الموروث:
من أبرز أسباب الانحراف التسليم المطلق لما عليه الآباء والمجتمع دون تحقيقٍ أو تمحيصٍ عقلانيٍّ؛ فيتوهم الإنسان أنَّ ما ارتضاه الأقدمون أو الأغلبية هو الحق المطلق، غافلاً عن أن قِدم الفكرة أو شيوعها لا يدل على صحتها. وقد ذم القرآن هذا الانقياد غير الواعي: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170]. ويُفرّق القرآن بين التقليد الأعمى المرفوض وبين الرجوع الواعي لأهل الخبرة (كالاتباع الفقهيِّ للأعلم) القائم على العلم والبرهان. فالباطل لا يستحيل حقًا بالتقادم، كما في قاعدة التغيير: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: 11].
الرابع: اتباع الهوى (الميول التي تحجب العقل):
يجعل الهوى الإنسان ينظر بعين الرغبة والمصلحة الشخصيَّة لا بعين الحق والبصيرة، فيختل منهجه الفكريُّ وتضيع منه الحقيقة. وقد بيّن القرآن أنَّ الهوى والظن يشتركان في الإبعاد عن اليقين: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ} [النجم: 23]. كما صوّر الهوى كمعبود باطنيٍّ يُضل صاحبه رغم علمه: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} [الجاثية: 23]، وحذّر منه: {وَلاَ تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26]. وتتجسّد الاستقامة العلميَّة والتجرد من الهوى في موقف العلّامة الحلّيّ الذي أمر بردم بئره أولاً عندما وقعت فيها نجاسة قبل أنْ يفتي في المسألة، حيدةً وتجريدًا لعقله عن أي تأثر بالمصلحة الشخصيَّة.
الخامس: الاستعجال والتسرع في الحكم:
تطغى الطبيعة العجولة على الإنسان لتدفعه نحو تبني موقفٍ أو إصدار حكمٍ قبل استكمال جمع المعطيات والتثبت من صحتها، وقد ذمَّ القرآن هذا الخُلق: {وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً} [الإسراء: 11]، مؤكدًا أن الحكم في القضايا الفكريَّة والاجتماعيَّة يقتضي التروي؛ لأن خطأه يتعدى الفرد إلى المجتمع؛ ولذا جعل القرآن التثبت أصلًا منهجيًا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6]؛ لمنع الوقوع في قراراتٍ خاطئةٍ قائمةٍ على مقدماتٍ فاسدةٍ.
السادس: التكبر والاستعلاء عن الحق:
الاستكبار هو امتناع الفرد عن قبول الحق لغرورٍ في النفس أو اعتزازٍ بالموقع الاجتماعيِّ لا لعدم وضوح الدليل، وأبرز النماذج هو إبليس الذي أقرّ بأمر الله لكنَّه استكبر قائلاً: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [ص: 76]، فكان خطأه استكبارًا لا جهلاً: {أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34].
وقد قابلت الأمم السابقة رسلها (عليهم السلام) بالاستكبار والسخرية رغم وضوح الحجة: {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات: 53]، واشترطوا المعجزات التعنتية [الإسراء: 90-93]، أو رفضوا اتباع الحق لمجرد أنَّه جاء عن طريق من يرونه دونهم شأنًا: {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرِيَّتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31]. ويؤدي هذا المرض إلى الحرمان التام من الهداية وسد أبواب السماء [الأعراف: 40، 146].
السابع: الغفلة عن آيات الله في النفس والآفاق:
تتمثل الغفلة في الانشغال عن الحق والإعراض عن دلائله المبثوثة في الكون والنفس، فالغافل يمر على الآيات دون وعيٍ أو تدبرٍ، قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53]، غير أنَّ أكثر الناس يعرضون عنها: {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: 105]. فالغفلة تُضعف التفكير وتُميت الضمير وتحجب البصيرة، ولذا شبه الله الغافلين بالأنعام بل هم أضل [الأعراف: 179]، وجعل الذكر واليقظة هما الضد الحقيقي لها [ق: 37].
الثامن: الجهل المركَّب (أنْ تجهل أنَّك تجهل):
هو أنْ يجهل الإنسان الحقيقة ويجهل في الوقت نفسه أنَّه جاهلٌ بها، متوهمًا أنَّه على علمٍ وبصيرةٍ، وهذا الجهل يُغلق أبواب التعلم؛ لأنَّ صاحبه مطمئن إلى وهمه. وقد صوّر القرآن المجادل بغير علم بقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ} [الحج: 8]، ووصف من يقتصر علمهم على ظواهر الدنيا وهم عن الآخرة غافلون [الروم: 7]، ومن مظاهره إنكار البعث بثقةٍ زائفةٍ [الجاثية: 24]، ووصف الوحي بالأساطير [النحل: 24]. وقد حذَّر القرآن من هذا المنزلق الخطير بقوله: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103-104].
التاسع: التبعية للسلطة أو الجمهور:
تحدث هذه التبعية بإلغاء الإنسان لعقله وتسليم فكره للقيادات السياسيَّة أو الدينيَّة أو لمسايرة الكثرة، وقد عرض القرآن مشاهد الندم يوم القيامة: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ} [الأحزاب: 67]، واستخفاف فرعون قومه فأطاعوه [الزخرف: 54].
وبيَّن القرآن أنَّ الأغلبية ليست معيارًا للحق: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116]. ومصير هذه التبعية التبرؤ المتبادل بين المتبوعين والأتباع [البقرة: 166، سبأ: 31]، وأكَّد القرآن أن السؤال والرجوع يكون للعلماء بناءً على المعرفة لا التقديس الأعمى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
العاشر: الحسد والبغضاء:
هما دافعان باطنيان يعميان البصيرة ويدفعان المرء إلى ردّ الحق لمجرد كراهية قائلة أو حسده، وقد كشف القرآن أنَّ بعض أهل الكتاب أنكروا نبوة الرسول (صلى الله عليه وآله) حسدًا لا جهلاً: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة: 109]، {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [النساء: 54]، وكذلك جحد المشركون بالحق لكون قائله خصمًا أو ليس عظيمًا من زعمائهم [الشعراء: 199-200، الزخرف: 31]، وهو عين الدافع الذي تملّك إبليس عند أمره بالسجود لآدم (عليه السلام) [الأعراف: 12].
الخاتمة:
يكشف التدبر في القرآن الكريم أنَّه يتجاوز مجرد عرض الحق إلى تفكيك مناشئ الخطأ ومزالق التفكير البشريِّ، فالخطأ لا ينشأ فقط عن ضعف الدليل، بل يتغذى على العلل النفسيَّة - كالهوى والحسد والاستكبار - والأنماط المنهجيَّة الفاسدة - كالاستعجال والتقليد والجهل المركب وإتباع الظن والتبعية -؛ ولذلك يربط القرآن السلامة المعرفيَّة بطهارة النفس والتقوى ليكون الإنسان على بينةٍ من أمره.

