الأحد ١٩ محرم ١٤٤٨ هـ | 2026/07/05

ما هو قولكم في اعتبار مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) لأبي مخنفٍ الأزديّ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أبو مخنفٍ: هو لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سالمٍ الأزديّ الغامديّ الكوفيّ، من ثقات المؤرِّخين الذين يُسكن إلى ما يرويه، توفِّي في سنة (157) من الهجرة، ولذا يُعدُّ من قدماء المؤرِّخين.

 

1ـ قال ابن النديم في حقِّه: (أبو مخنفٍ: لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنفٍ... وله من الكتب: كتاب الردَّة، كتاب فتوح الشام، كتاب فتوح العراق، كتاب الجمل، كتاب صفِّين، كتاب أهل النهروان والخوارج، كتاب الغارات، كتاب الحريث بن راشدٍ وبني ناجية، كتاب مقتل عليّ (رض)، كتاب مقتل حجر بن عديّ، كتاب مقتل محمَّد بن أبي بكرٍ والأشتر ومحمَّد بن أبي حذيفة، كتاب الشورى ومقتل عثمان، كتاب المستورد بن علفة، كتاب مقتل الحسين (عليه السلام)... إلى آخر كلامه) [الفهرست ص122].

 

2ـ وقال النجاشيّ فيه: (لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سالمٍ الأزديّ الغامديّ، أبو مخنفٍ، شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة ووجههم، وكان يُسكن إلى ما يرويه، روى عن جعفر بن محمَّدٍ (عليه السلام). وقيل: إنَّه روى عن أبي جعفرٍ (عليه السلام)، ولم يصحّ. وصنَّف كتباً كثيرةً، منها: كتاب المغازي، كتاب السقيفة، كتاب الردَّة، كتاب فتوح الإسلام، كتاب فتوح العراق، كتاب فتوح خراسان، كتاب الشورى، كتاب قتل عثمان، كتاب الجمل، كتاب صفِّين، كتاب النهر، كتاب الحكمين، كتاب الغارات، كتاب مقتل أمير المؤمنين (عليه السلام)، كتاب قتل الحسن (عليه السلام)، كتاب قتل الحسين (عليه السلام)... إلى آخر كلامه) [رجال النجاشيّ ص٣٢٠].

 

3ـ وقال الشيخ الطوسيّ فيه: (لوط بن يحيى، يكنَّى أبا مخنفٍ، من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن أصحاب الحسن والحسين (عليهما السلام) - على ما زعم الكشيّ -. والصحيح: أنَّ أباه كان من أصحاب عليّ (عليه السلام)، وهو لم يلقه. له كتبٌ كثيرةٌ في السِّير، منها: كتاب مقتل الحسين (عليه السلام)... إلى آخر كلامه) [الفهرست ص٢٠٤].

إلى غيرها من كلمات الأعلام في حقِّه.

 

إذا بان هذا، فلنعقد الكلام في ذكر أمرين:

 

الأمر الأوَّل: في أصل كتاب المقتل:

 

لا شكَّ في أنَّ مقتل الحسين (عليه السلام) من مؤلَّفات أبي مخنفٍ، كما تقدَّم التصريح بذلك في كلمات ابن النديم والنجاشيّ والشيخ؛ ولذلك لم يشكّ أحدٌ في أصل ثبوت هذا الكتاب له، وكونه من جملة مصنَّفاته المعروفة.

 

ومقتله هذا «مُعتمدٌ من قبل مؤرِّخي الفريقين؛ ولذلك فقد نقل العديد من المؤرِّخين وكتَّاب السِّيرة مما رواه حول ثورة الإمام الحسين (عليه السلام). ويُمكن أنْ نذكر من جملتهم محمَّد بن عمرٍو الواقديّ (ت 207 هـ)، وابن قتيبة (ت 276 هـ) في كتابه الإمامة والسياسة، ومحمَّد بن جريرٍ الطبريّ (ت 310 هـ) في تاريخه، وابن عبد ربَّه (ت 328 هـ) في العقد الفريد، وعلي بن الحسين المسعوديّ (ت 345 هـ) في مروج الذهب وأخبار الزمان، والشيخ المفيد (ت 413 هـ) في الإرشاد وكذلك في النصرة في حرب البصرة، والشهرستانيّ (ت 548 هـ) في الملل والنحل، والخوارزميّ (ت 568 هـ) في مقتل الحسين (عليه السلام)، وابن عساكر (ت 571 هـ) في تاريخ دمشق، وابن الأثير (ت 630 هـ) في الكامل، وسبط ابن الجوزيّ (ت 654 هـ) في تذكرة الخواص، وأبو الفداء (ت‌732 هـ) في المختصر في أخبار البشر. وقد اختفى ـ وللأسف الشديد ـ أصل كتاب أبي مخنفٍ» [يُنظر: الصحيح من مقتل سيد الشهداء ج1 ص32].

 

والمتحصَّل من هذا الأمر: أنَّ أصل تأليف أبي مخنفٍ لكتاب مقتل الحسين (عليه السلام) أمرٌ ثابتٌ بالقطع واليقين، كما هو واضحٌ.

 

الأمر الثاني: في النسخة المتداولة الآن من المقتل:

 

الظاهر من تتبُّع كلمات العلماء والمحقِّقين في هذا المجال وجود نحو اتّفاق على أنَّ النسخة المتداولة اليوم ليست هي الأصل الذي ألَّفه أبو مخنفٍ، وإنَّما هي نسخةٌ منسوبةٌ إليه؛ لكون النسخة الأصليَّة قد فُقدت ولم تصل إلينا، ومن ثمَّ فإنَّ المعتمد في معرفة مرويّات أبي مخنفٍ إنَّما هو ما حفظته المصادر التاريخيَّة المتأخِّرة عنه، أمثال تاريخ الأمم والملوك للطبريّ، وغيره من المصادر الأخرى.

 

وإليك ـ عزيزي السائل ـ طائفةً من كلمات أهل الاختصاص التي تؤكِّد ذلك:

 

1ـ قال الميرزا النوريّ: (أبو مخنفٍ لوط بن يحيى، هو من كبار المحدِّثين ومعتمد أرباب السِّير والتواريخ، ومقتله في نهاية الاعتبار حسبما يعلم من نقل الأعاظم من علمائنا المتقدِّمين عنه وعن سائر مؤلَّفاته إلَّا أنَّه ـ وللأسف الشديد ـ لا وجود للنسخة الأصليَّة للمقتل... والمقتل الموجود الآن بيننا المنسوب إليه مشتملٌ على بعض المطالب المنكرة المخالفة لأصول المذهب، ولابدَّ أنَّ الأعادي والجهَّال هم الذين أدخلوا تلك المطالب في ذلك الكتاب لأجل بعض الأغراض الفاسدة، ولذلك يسقط كتاب المقتل عن الاعتبار في ما يتفرَّد بنقله مما لا يوثق به) [اللؤلؤ والمرجان ص187].

 

2ـ وقال الشيخ عبَّاس القمِّيّ: (وليعلم أنَّ لأبي مخنفٍ كتباً كثيرةً في التاريخ والسِّير، منها كتاب مقتل الحسين (عليه السلام) الذي نقل منه أعاظم العلماء المتقدِّمين واعتمدوا عليه، ولكن الأسف أنَّه فُقد ولا يوجد منه نسخةٌ، وما المقتل الذي بأيدينا ويُنسب إليه فليس له، بل ولا لأحدٍ من المؤرِّخين المعتمدين) [الكنى والألقاب ج1 ص١٥٥].

 

3ـ وقال العلّامة الطهرانيّ: (مقتل أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) لأبي مخنفٍ... إلى قوله: طُبع على الحجر في بمبئي أيضاً منضماً إلى المجلَّد العاشر من البحار في سنة (1287). أوَّله: حدَّثنا أبو المنذر هشام بن محمَّد بن السائب الكلبيّ. ونسبته إليه مشهورةٌ، لكن الظاهر أنَّ فيه بعض الموضوعات، وقد حقَّقه شيخنا النوريّ في اللؤلؤ والمرجان) [الذريعة ج٢٢ ص٢٧].

 

4ـ وقال السيد عبد الحسين شرف الدين: (لا يخفى أنَّ الكتاب المتداول في مقتله (عليه السلام) المنسوب إلى أبي مخنفٍ، قد اشتمل على كثيرٍ من الأحاديث التي لا علم لأبي مخنفٍ بها، وإنَّما هي مكذوبةٌ على الرجل، وقد كثرت عليه الكذَّابة، وهذا شاهدٌ على جلالته) [مؤلّفو الشيعة في صدر الإسلام ص٤٢].

 

5ـ وقال الشيخ الريشهريّ: (قد صدر قبل ذلك كتابٌ مجهولٌ تحت عنوان مقتل أبي مخنفٍ، إلَّا أنَّه لا يتوفَّر دليلٌ على صحَّة نسبته إلى المؤلِّف، بل إنَّ الاختلاف الكبير والواضح بين مروياته وبين نقل الطبريّ عن هذا الكتاب يمثِّل قرينةً على عدم صحَّة هذه النسبة. والدليل الآخر على سقم النسبة المذكورة هو وجود بعض المرويات التي تحطُّ من شخصية الإمام الحسين (عليه السلام) العظيمة، والتي نستبعد جدّاً صدورها من قبل مؤلِّفٍ معروفٍ وموثوقٍ به مثل أبي مخنفٍ) [الصحيح من مقتل سيد الشهداء ج1 ص33].

 

6ـ وقال الشيخ اليوسفيّ الغرويّ: (تتداول الأيدي والمطابع في هذه العهود المتأخِّرة كتاباً في مقتل الحسين (عليه السلام)، نُسب إلى أبي مخنفٍ، ومن المعلوم الواضح أنَّه ليس لأبي مخنفٍ، وإنَّما هو من جمع جامعٍ غير أبي مخنفٍ، ولا يُدري بالضبط متى وأين وممن وُجد هذا الكتاب ومتى طُبع لأوَّل مرَّةٍ ... إلى قوله: فمن المقطوع به أنَّ الكتاب من جمع جامعٍ غير أبي مخنفٍ، ولا يُدرى مَنْ هو هذا الجامع ومتى جمعه. والذي يبدو لي أنَّه كان من العرب المتأخِّرين غير عارفٍ بالتاريخ والحديث والرجال وحتَّى الأدب العربيّ، فإنَّه يستعمل في الكتاب كلماتٍ هي من استعمال العرب المتأخِّرين باللغة الدارجة العاميَّة) [وقعة الطف ص32].

إلى غير ذلك من كلمات الأعلام.

 

نعم، لا يعني كلامهم هذا عدم إمكان الاعتماد على المقتل المطبوع بشكلٍ كلِّيّ، بل لو حصل الاطمئنان بروايةٍ من رواياته لأمكن الأخذ بها، وذلك فيما لو احتفَّت الرواية بجملةٍ من القرائن والشواهد الدالَّة على صدقها، كما هو واضحٌ.

 

والنتيجة النهائيَّة من جميع ما تقدَّم، أنَّه لا شكّ في تأليف أبي مخنفٍ لكتاب مقتل الحسين (عليه السلام)، وإنَّما الكلام في النسخة الحاليَّة، إذْ يذهب الأعلام إلى كونها منسوبةً إليه، على أنَّه يُمكن الاعتماد على رواياتها فيما لو حصل الاطمئنان منها، وذلك من خلال تحقّق القرائن والشواهد على صدقها.. والحمد لله ربِّ العالمين.

البريد الالكتروني : info@m-alzahra.com

هاتف : +9647875600801 - +9647875600801

العنوان :النجف الأشرف - المدينة القديمة - نهاية شارع الرسول (ص)