الخميس ٢٦ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ | 2026/05/14

هل جميع أصحاب الأئمة (ع) من الثقات؟

السؤال:

يرى بعض الشيعة - كالحرّ العامليّ - وثاقة جميع أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) إلّا ما خرج بالدليل، هل كون شخصٍ من أصحاب الإمام جعفرٍ الصادق أو عن غيره من الأئمّة، أو الرواة عنهم، يوجب توثيقه وتعديله إطلاقاً، أم يحتاج لدليلٍ إضافيٍّ على ذلك؟

 

الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم - أخي السائل - أنّه لا يوجد أحدٌ من الشيعة (أعزّهم الله) يدّعي العدالة والتوثيق لمجرّد كون الرجل من أصحاب إمامنا الصادق (عليه السلام)، فضلاً عن كلّ الأئمّة (عليهم السلام).
فهذه نظريّةٌ واضحة الفساد بأدنى تأمّلٍ، بل الأدلّة على خلافها، فقد ثبت بالقطع واليقين وجود الكذّابين بين أصحابهم، فقد رُوي عن إمامنا الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «إنّا أهل بيتٍ صادقون، لا نخلو من كذّابٍ يكذب علينا، ويُسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس، كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أصدق الناس لهجةً وأصدق البرية كلّها، وكان مسيلمة يكذب عليه» [اختيار معرفة الرجال ج1 ص324].

فكان الأئمّة (عليهم السلام) يعلمون بوجود مَن يزوّر عليهم، ولمّا كان الابتلاء بالتمييز بين الحقّ والباطل جزءاً من الحكمة الإلهيّة في استمرار الامتحان الإلهيّ، لم يكونوا مكلّفين بإلغاء حريّة الناس أو فرض الرقابة الإعجازيّة على الجميع، إلّا أنّهم وضعوا ضوابط وعلامات لتمييز الحقّ من الباطل، أصبحت أساساً لتكوين منهجٍ علميٍّ دقيقٍ متكاملٍ في التمحيص والنقد، فتراهم (عليهم السلام) اهتمّوا كثيراً بضرورة الإسناد - مثلاً -، فقد روى الشيخ الكلينيّ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «إذا حدّثتم بحديثٍ فأسندوه إلى الذي حدّثكم، فإن كان حقّاً فلكم، وإن كان كذباً فعليه» [الكافي ج1 ص52]، وروى عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إيّاكم والكذب المفترع، قيل له: وما الكذب المفترع؟ قال: أن يحدّثك الرجل بالحديث فتتركه وترويه عن الذي حدّثك عنه» [الكافي ج1 ص52].

وتراهم (عليهم السلام) يشيرون إلى مَن هو ليس أهلاً للأخذ عنه ويحذّرون الناس، فقد روى الكشّيّ عن أبي الحسن موسى (عليه السلام): «لعن الله محمد بن بشير، وأذاقه حرّ الحديد، إنّه يكذب عليّ، برأ الله منه، وبرئت إلى الله منه، اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا يدّعي فيّ ابن بشير، اللهمّ أرحني منه... ما أحدٌ اجترأ أن يتعمّد الكذب علينا إلّا أذاقه الله حرّ الحديد. وإنّ (بناناً) كذب على عليّ بن الحسين (عليهما السلام)، فأذاقه الله حرّ الحديد. وإنّ (المغيرة بن سعيد) كذب على أبي جعفرٍ (عليه السلام)، فأذاقه الله حرّ الحديد. وإنّ (أبا الخطّاب) كذب على أبي، فأذاقه الله حرّ الحديد. وإنّ (محمّد بن بشير) لعنه الله يكذب عليّ، برئت إلى الله منه، اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا يدّعيه فيّ محمد بن بشير، اللهمّ أرحني منه، اللهمّ إنّي أسألك أن تخلّصني من هذا الرجس النجس محمد بن بشير، فقد شارك الشيطان أباه في رحم أمّه» [اختيار معرفة الرجال ج2 ص778-779].
وروى بإسناده عن يونس بن عبد الرحمن: «أنّ بعض أصحابنا سأله وأنا حاضرٌ، فقال له: يا أبا محمّد، ما أشدّك في الحديث، وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا، فما الذي يحملك على ردّ الأحاديث؟
فقال: حدّثني هشام بن الحكم أنّه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا تقبلوا علينا حديثاً إلّا ما وافق القرآن والسنّة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدّمة، فإنّ المغيرة بن سعيد - لعنه الله - دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبي، فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا تعالى وسنّة نبيّنا (صلى الله عليه وآله)، فإنّا إذا حدّثنا قلنا: قال الله (عزّ وجلّ)، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله).
قال يونس: وافيت العراق فوجدت بها قطعةً من أصحاب أبي جعفرٍ (عليه السلام)، ووجدت أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام) متوافرين، فسمعت منهم وأخذت كتبهم، فعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، فأنكر منها أحاديث كثيرةً أن تكون من أحاديث أبي عبد الله (عليه السلام)، وقال لي: إنّ أبا الخطّاب كذب على أبي عبد الله (عليه السلام) لعن الله أبا الخطّاب، وكذلك أصحاب أبي الخطّاب يدسّون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام)، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فإنّا إن حدّثنا حدّثنا بموافقة القرآن وموافقة السنّة، إنّا عن الله وعن رسوله نحدّث، ولا نقول قال فلانٌ وفلانٌ، فيتناقض كلامنا، إنّ كلام آخرنا مثل كلام أوّلنا، وكلام أوّلنا مصادقٌ لكلام آخرنا، فإذا أتاكم من يحدّثكم بخلاف ذلك فردّوه عليه وقولوا أنت أعلم وما جئت به، فإنّ مع كلّ قولٍ منّا حقيقةً وعليه نوراً، فما لا حقيقة معه ولا نور عليه فذلك من قول الشيطان» [اختيار معرفة الرجال ج2 ص489-491].
إلى غير ذلك من الأخبار الدالّة على وجود الكذّابين على إمامنا الصادق وباقي الأئمّة (عليهم السلام).
فليس لأحدٍ أن يدّعي بعد ما أوردناه من الأخبار وما لم نورده أنّ كلّ مَن روى عن الأئمّة (عليهم السلام) هو ثقةٌ صدوقٌ.

وأمّا ما ذهب إليه الحرّ العامليّ (رحمه الله) وغيره، فهو مغايرٌ، حيث بنى (ره) على أنّ مَن كان من أصحاب الصادق (عليه السلام) من المجاهيل - وهم مَن لم يرد فيهم توثيقٌ ولا تضعيفٌ - يكون ثقةً، وهذه أمارة توثيقٍ أضيق بكثيرٍ من المدّعى في سؤالكم، وهذه الأمارة مبنيّةٌ على ما قاله المفيد (رحمه الله) من أنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عن الإمام الصادق (عليه السلام) من الثقات، على اختلافهم في الآراء والمقالات، فكانوا أربعة آلاف رجلٍ [ينظر: الإرشاد ج2 ص179].
وأضاف ابن شهر آشوب بياناً لذلك قال: (إنَّ ابن عقدة صنّف كتاب الرجال لأبي عبد الله (عليه‌ السلام)، عدّدهم فيه) [مناقب آل أبي طالب ج3 ص372].
وبملاحظة ما قاله الشيخ الطوسيّ (رحمه الله) ما نصّه: (ولم أجد لأصحابنا كتاباً جامعاً في هذا المعنى – أي في ذكر الرواة عن المعصومين (عليهم السلام) – إلّا مختصراتٍ قد ذكر كلّ إنسانٍ طرفاً منها، إلّا ما ذكره ابن عقدة من رجال الصادق (عليه السلام)، فإنّه قد بلغ الغاية في ذلك، ولم يذكر رجال باقي الأئمة (عليهم السلام) وأنا أذكر ما ذكره وأورد من بعد ذلك ما لم يورده) [رجال الطوسي ص17]، فإنّه تحصّل عنده - أعني الحرّ العامليّ - أنّ المذكورين في رجال الطوسيّ هم المقصودين بالتوثيق الذي ذكره المفيد (رحمه الله).
وقد ناقش الأعلامُ في هذا، فلم يقبله إلّا المحدّث النوريّ والسيّد الشفتيّ (رحمهما الله) بحسب ما وسعني الاطّلاع.
ولنا جوابٌ منفردٌ حول (وثاقة أصحاب الإمام الصادق (ع))، تطرّقنا فيه لمناقشة هذا المبنى، يمكن مراجعته.

البريد الالكتروني : info@m-alzahra.com

هاتف : +9647875600801 - +9647875600801

العنوان :النجف الأشرف - المدينة القديمة - نهاية شارع الرسول (ص)