الاثنين ٢٢ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ | 2026/06/08

السؤال:وقع لغطٌ حول (دعاء الجوشن الكبير)، يقول البعض: إنَّه من إنشاءات الصوفيَّة، ولا تصحّ نسبته إلى أهل البيت (عليهم السلام). ما هو الموقف من هذا الدعاء؟

سم الله الرحمن الرحيم، والصلاة على محمدٍ وآله الطاهرين.

قبل تفصيل الكلام في ذلك ينبغي الالتفات إلى أنّ التعبد بقراءة الأدعية الشريفة غير مشروطٍ بالعلم بانتسابها إلى أهل البيت (عليهم السلام)، بل يكفي احتماله، وباب العمل بداعي رجاء المطلوبيَّة مفتوحٌ وواسع، ويثاب عليه المرء إن شاء الله تعالى، كما ينبغي الالتفات إلى أنّ هذه المسألة مسألةٌ فقهيَّة ينبغي الرجوع فيها إلى الفقهاء ليفتوا فيها، فلسنا إذن في صدد بيان الجانب الفقهيّ من المسألة، ولكن نعالج دعوى انتساب الدعاء إلى الصوفيَّة، الذي ينبغي أن يكون مانعاً من التعبد به.

وأقول: إنّ الجزم بكون الدعاء من أدعية الصوفيَّة وإنشاءاتهم ممَّا لا يساعد عليه الدليل، وتفصيل ذلك في نقاط:

النقطة الأولى: إنّ أقدم الأصول التي نقلت هذا الدعاء بنصّه ثلاثة:

الأول: ما نقله الشيخ أبي طالب بن رجب (معاصر للكفعميّ احتمالاً) عن جدّه الحسن بن داود صاحب الرجال (إماميّ توفي في القرن الثامن)، وذلك في الزيادة الداخلة في متن مهج الدعوات للسيد ابن طاوس، على ما ذكره العلَّامة المجلسيّ في [بحار الأنوار ج78 ص332]

الثاني: ما نقله الشيخ الكفعميّ (إماميّ من أهل القرن العاشر) في [المصباح ص237] قال: (الفصل الثامن والعشرون في أدعيةٍ لها أسماء معروفة فمن ذلك دعاء الجوشن الكبير مروىّ عن النبيّ صلى الله عليه وآله...).

الثالث: ما نقله الكمشخاويّ (عاميّ صوفيّ 1311هـ) في مجموع الأحزاب الصوفية، وهي عبارة عن أورادٍ وأذكارٍ مجموعة من أحزاب ابن عربيّ (صوفيّ 647هـ)، والنقشبنديّ (صوفيّ 791هـ)، والشاذليّ (صوفيّ 656هـ).

وقد تُوُهِّمَ أنّ الأخير أقدمها، حيث ورد ضمن أحزاب ابن عربيّ، فيكون أقدم مصدرٍ لهذا الدعاء هو الصوفيَّة، ويجزم أو يظن قويّاً بأنّ الدعاء المودع في كتبنا أُخِذَ منهم.

ولكنّ الصحيح أنّ هذا الكتاب المسمَّى بمجموع الأحزاب الصوفية جمع أدعيةً وأوراداً وأذكاراً من المتأخرين والمتقدمين، ونقل عن جملةٍ من المتأخرين نحو محمد البهي الشاذليّ (ق13) وأبي المواهب الشاذليّ، وابن عطاء، والدرقاويّ (ق13) وبعض أساتذته وغيرهم ممَّا لا يعدّ ولا يحصى، نعم المجلد الذي ورد فيه دعاء الجوشن يبتدئ بأحزاب ابن عربيّ، لا أنّ تمام المجلد هو لابن العربيّ، وهذا ظاهرٌ لمن راجع الكتاب.

ثمّ إنّ من الواضح لمن طالع الكتاب أنَّه ينقل أدعيةً ثبتت عندنا انتسابها لأهل البيت عليهم السلام وليس ذلك طعناً في الدعاء! بل هو دليلٌ على أنّ هؤلاء ينقلون عن أئمتنا وعن رواياتنا، فذكر في هذا الكتاب جملةً من أدعية الصحيفة السجاديَّة، فنقل الدعاء السادس في الصحيفة السجاديَّة المعنون بـ (دعائه عند الصباح والمساء) حرفاً بحرف، وجعله دعاءً ليوم الجمعة في الجزء المبتدئ بأوراد الشاذليّ. كما نقل الدعاء الثامن من الصحيفة المعنون بـ (دعائه في الاستعاذة من المكاره وسيء الأخلاق ومذام الأفعال) وعنونه بتسبيح زين العابدين، كما ذكر دعاء الصباح المشهور تحت عنوان (ورد دعاء الصباح).

فإذن مجرد ورود دعاء الجوشن في هذا الكتاب لا يدلّ على أنَّه من مختصاتهم ولا على أسبقيتهم به.

النقطة الثانية: قد استدلّ على أنّ هذا الدعاء عاميّ أو صوفيّ بذكر عنوانه في كلام الصاغانيّ (ت 650هـ) قال: (وكذا الاعتناء بألف اسمٍ واسم يدعو بعض العوام به، ولم يرد فيها خبرٌ ولا أثرٌ عن السلف الصالحين وأئمّة الهدى، بل بعضها كفرٌ؛ إذ أسماء الله تعالى توقيفيَّة، لا يجوز لنا أن ندعو إلا بما ورد في الكتاب والسنة، فنقول: يا كريم، ولا نقول: يا سخي، ونقول: يا قديم، ولا نقول: يا عتيق، ونقول: يا عالم، ولا نقول: يا عاقل، فافهم ترشد...) [الموضوعات للصاغانيّ ص75].

وكذلك في كلام الخطابيّ (ت 388هـ): (وقد أولع كثيرٌ من العامة بأدعيةٍ منكرة اخترعوها وأسماء سمّوها ما أنزل الله بها من سلطان، وقد يوجد في أيديهم دستورٌ من الأسماء والأدعية يسمّونه «الألف الاسم»، صنعها لهم بعض المتكلفين من أهل الجهل والجرأة على الله عزّ وجلّ، أكثرها زورٌ وافتراءٌ على الله عزّ وجلّ، فليجتنبها الداعي، إلّا ما وافق منها الصواب إن شاء الله تعالى) [شأن الدعاء ص16].

والتعليق على ذلك أنَّنا لا نعلم الاتّحاد بين دعاء الجوشن وبين ما يشير له هؤلاء، ومجرّد الاشتراك في ذكر ألف اسمٍ في الدعاء ليس دليلاً جزميّاً على الاتحاد، بل هو رجمٌ بالغيب، وتعويلٌ على الظن من غير حجةٍ ولا برهان.

النقطة الثالثة: إنّ هذا الدعاء وما ورد فيه من الفضل، من منفردات الشيعة، ولم ينقله هؤلاء، مع اختلاف بعض الألفاظ، وقد نقل الدعاء الشيخ الكفعميّ (رحمه الله)، وكان صاحب مكتبةٍ عظيمةٍ، وقد عوَّل على مصادر مفقودة، ويحتمل أنّ من ضمنها مصدرٌ نُقِلَ عنه دعاء الجوشن منسوباً إلى زين العابدين (عليه السلام).

وختاماً أقول: إنّ نفي نسبة الدعاء لأهل البيت (عليهم السلام) بنحوٍ جزميّ مجازفة، وهذا لا يعني أنَّنا نجزم بنسبته لهم (عليهم السلام)، بل يبقى محتملاً ككثيرٍ من الأدعية والروايات المنسوبة لهم (عليهم السلام)، ولا نعلم ما الداعي لطرح هذه الأمور على الملأ والتشويش على المؤمنين في ذلك.

والحمد لله ربّ العالمين

البريد الالكتروني : info@m-alzahra.com

هاتف : +9647875600801 - +9647875600801

العنوان :النجف الأشرف - المدينة القديمة - نهاية شارع الرسول (ص)