منصة الزهراء الالكترونية
- هل يقول الإمام الصادق (ع) بعدالة جميع الصحابة؟

- استلهاماً لمواقف أمير المؤمنين (ع).. مجمع المُبلّغات في "الفجر" ومعهد الزهراء يُنظّمان مهرجان "يوم الفتوة العالمي"

- إحياءً لـ "يوم الفتوة العالمي".. مجمع المُبلّغات وجامعة الزهراء عليها السلام في الحي ؛ يُنظّمان رحلة إيمانية إلى العتبات المقدسة

- في متنزه السندباد.. مجمع المبلغات الرساليات في القرنة يقيم مهرجاناً احتفاءً بـ "يوم الفتوة العالمي"

- بالتعاون مع جامعة الزهراء (ع).. مجمع المبلغات الرساليات في سوق الشيوخ يحيي "يوم الفتوة العالمي"

هل يقول الإمام الصادق (ع) بعدالة جميع الصحابة؟
2026-04-13
اخبار ذات صلة
السؤال
هل ورد في مصادرنا هذا الحديث: عن الإمام الصادق (ع) أنَّه قال: «كان أصحاب رسول الله (ص) اثني عشر ألفاً: ثمانية آلاف من المدينة، وألفان من مكة، وألفان من الطلقاء، ولم يُرَ فيهم قدريٌّ، ولا مرجيٌّ، ولا حروريٌّ، ولا معتزليٌّ، ولا صاحب رأي، كانوا يبكون الليل والنهار ويقولون: اقبِض أرواحنا من قبل أنْ نأكل خبزَ الخمير». وهذا يدلُّ على ما ذهب إليه العامَّة من عدالة جميع الصحابة؟
الجواب:
نعم جاء هذا الحديث الشريف في مصادرنا؛ فقد رواه الشيخ الصدوق (ره) في [الخصال ج2 ص639] بسندٍ معتبرٍ عن الإمام الصادق (ع)، وأما دلالته: فلا دلالة فيه على ما ذهب إليه أهل السنَّة من عدالة واستقامة جميع الصحابة؛ إذ لا شك أنَّه (ع) في مقام الحديث عن صلحاء الصحابة، وعمّن حسن حاله منهم لا جميعهم، وذلك لأمرين:
الأول:
قيام الأدلة الخارجيَّة القطعيَّة من الكتاب الكريم، والسنَّة الشريفة المتفق عليها عند المسلمين من الفريقين، وثوابت التاريخ الإسلاميّ على وجود زمرٍ من العصاة والمنافقين في الصحابة.
يقول تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} [التوبة: 100-101].
ويقول تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} [المنافقون: 1-2].
إلى غير ذلك من الآيات الكريمة الكثيرة الحاكية عن العصاة والمنافقين الذين أحاطوا بالنبيّ (ص).
كما قامت تلك الأدلة – أيضاً -على انحراف أكثر الصحابة عن الجادة بُعيد انتقال النبيّ (ص) إلى الرفيق الأعلى؛ حيث افتتنتهم الدنيا ومحصتهم، فلم يخلُص منهم أو يبقى على العهد إلَّا الآحاد وإنْ كانت المدارس والمذاهب الفاسدة لم تظهر وتتفشى بعد في تلك الآونة.
يقول تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144].
وجاء في صحيحي البخاريّ ومسلم وغيرهما بطرقٍ صحيحةٍ بل متواترة في معناها: أنَّ الصحابة -بعيد النبيّ (ص) -قد ارتدوا على أدبارهم القهقرى؛ بمخالفتهم وصاياه (ص)، وتضييعهم الدين، وإحداثهم فيه ما لم ينزل به سلطاناً، حتى لم يخلص منهم إلَّا كهمل النِّعم؛ كناية عن العدد اليسير جداً، وقد جاء المعنى نفسه بكثرةٍ في مصادرنا أيضاً. [ينظر: صحيح البخاريّ ج1 ص134، وص159، وج5 ص66، وج7 ص206، وص208، وج8 ص87، صحيح مسلم ج7 ص66، مسند أحمد ج3 ص101، اختيار معرفة الرجال ج1 ص11، الكافي ج2 ص244].
هذا وصُنّف في نقض فرضية "عدالة جميع الصحابة" ما فيه الكفاية، وللمركز -أيضاً -مقالاتٌ منشورةٌ تتناول هذه الفرضية بالنقض من جوانب عديدة، فلتراجع.
الثاني:
تجاوز عدد الصحابة الاثني عشر ألف بكثير؛ حيث بلغ تعدادهم -كما عن أبي زرعة الرازيّ -قرابة مائةٍ وأربعة عشر ألفاً، كلّهم رأى النبيّ (ص) وسمع منه وروى عنه، بينما يتكلَّم الإمام (ع) في حديثه عن اثني عشر ألف فقط. [ينظر: الجامع للخطيب ج2 ص293].
وفي ضوء ما تقدم: يفهم أنَّه (ع) لم يكن في صدد الحديث عن جميع الصحابة؛ وإنّما عن خصوص الصلحاء منهم؛ كالذين استشهدوا أو ماتوا في زمانه (ص) على الإيمان والاستقامة من قبل أنْ تهجم عليهم الدنيا بزينتها وزخرفها وأطماعها.
وحديثه (ع) هذا نظير حديث أمير المؤمنين (ع) في وصفه للصلحاء من أصحاب رسول الله (ص) حيث يقول: «لقد رأيتُ أصحاب محمدٍ (ص) فما أرى أحداً يشبههم، لقد كانوا يُصبحون شُعثاً، قد باتوا سُجّداً وقياماً، يُراوحون بين جِباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأنّ بين أعينهم رُكَب المعزى من طول سجودهم، إذا ذكروا الله هملت أعينهم حتّى تبلّ جيوبهم، ومادوا كما يميد الشّجر يوم الريح العاصف، خوفاً من العقاب، ورجاءً للثواب». [نهج البلاغة ص235].
وجدير بالتذكير: أنَّ الشيعة لا تنفي العدالة والاستقامة عن جميع الصحابة؛ وإنَّما تتبنى موقفاً واضحاً تبعاً لمجموع الأدلة وخلاصتُه: أنَّ الصُحبة لا موضوعية لها؛ إذ لا توجب بحدِّ ذاتها قداسةً، ولا عصمة؛ فالصحابة شأنهم شأن غيرهم من عامَّة الناس، تتحدَّد أقدارهم وفق معيار الإيمان والتقوى؛ فمنهم المؤمن الصالح، ومنهم المنافق الطالح، ومنهم من خلط صلاحاً بفساد، ومنهم من أخذته الدنيا بالكليَّة فباع بها حظه في الآخرة، وضلَّ سعيه، وفسدت خاتمته مع سبق صلاحه وحسن حاله. هذا مع التحفظ على مقام ومزية من نصر النبيّ (ص) منهم ومات على الإيمان والصلاح.

