منصة الزهراء الالكترونية
طهارة آباء النبي (ص)
2026-03-06
اخبار ذات صلة
ما هو الدليل على طهارة آباء النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) من الشرك والكفر والسِّفاح؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
لا شك ولا ريب في طهارة آباء النبيِّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) من الشرك والكفر وسائر ما ينافي الإيمان، وكذلك نقاء الأرحام التي انتقل فيها (صلَّى الله عليه وآله)، وذلك للأدلَّة التالية:
الدليل الأوَّل: العقل:
إنَّ بعثة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) إنَّما كانت لهداية الناس إلى التوحيد، وإقامة الحجَّة عليهم، وإزالة الشبهات التي قد تُثار في وجه الدعوة الإسلاميَّة. ومن المعلوم أنَّ من أهم مقوِّمات نجاح الدعوة كمال شخصية الداعي، وسلامة موقعه الاجتماعيّ، وانتفاء ما يُتَّخذ ذريعة للطعن فيه أو في رسالته.
ولو فُرض ـ والعياذ بالله ـ أنَّ آباء النبيّ أو أجداده كانوا على الشرك أو السفاح، لكان ذلك مما يتَّخذه المعاندون وسيلة للتشنيع والطعن، ولساغ لهم أنْ يقولوا: كيف يدعو إلى التوحيد من كان هكذا حاله؟! وهذا من شأنه أنْ يُضعف أثر الدعوة في النفوس، ويكون منافياً للغاية المقصودة من البعثة، وهي هداية الناس بأبلغ وجهٍ وأتمِّ بيان. ومن هنا، يحكم العقل السليم بلزوم تنزُّه سلسلة نسب النبيّ من الشرك والكفر والسفاح، حفظاً لمقام النبوَّة عن التعيير، وصيانة لغرض البعثة عن المنافاة.
وعليه، فإنَّ القول بطهارة آبائه وأجداده (عليهم السلام) هو مقتضى الحكمة الإلهيَّة، ومما يشهد له الاعتبار العقليّ السليم، صيانةً لمقام النبوَّة، وتحقيقاً للغاية العظمى من الرسالة، وهي هداية الخلق إلى توحيد الله تعالى.
قال أبو الفتوح الرازيّ ما ترجمته: (أمَّا ما قالوه: من أنَّه قد ثبت أنَّ آباء النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) إلى آدم كلهم كانوا مؤمنين، فذلك بدليل العقل ... إلى قوله: أنَّ من المعلوم أنَّ خلاف ذلك يكون منفِّراً عنهم، وصارفاً للناس عن إجابة دعوتهم، وقبول قولهم، وامتثال أمرهم. فلو أنهم دعوا الكافرين إلى الإسلام، وعيَّرهم الكافرون بالكفر، لقال الكفَّار: إنَّ هذا العيب موجود فيكم وفي نسبكم وفي آبائكم. وثانياً: إنَّ الله تعالى وصف المشركين بالنجاسة، ومن أرسله الله تعالى لتطهير الأنجاس لا يليق أنْ يكون مولوداً من نجسٍ) [روض الجنان ج7 ص340-341].
الدليل الثاني: القرآن الكريم:
وهو قوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [218 ـ 219]، حيث فهم منها عددٌ من العلماء طهارة آباء النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) من آدم إلى أبيه عبد الله (عليهم السلام).
1ـ قال الآجريّ في تفسير الآية المباركة: (أنَّ النكاح كان في الجاهلية على أنواع غير محمودة إلَّا نكاحاً واحداً ... وهو هذا النكاح الذي سنَّه رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) لأمَّته، يخطب الرجل إلى الرجل وليَّته فيزوِّجه على الصداق وبالشهود. فرفع الله (عزَّ وجلَّ) قدر نبينا وصانه عن نكاح الجاهلية، ونقله في الأصلاب الطاهرات بالنكاح الصحيح من لدن آدم، بنقله في أصلاب الأنبياء وأولاد الأنبياء، حتَّى أخرجه بالنكاح الصحيح) [الشريعة ج3 ص1417].
2ـ وقال أبو طالب المكِّيّ في تفسير الآية المباركة: (أي: ويرى تقلُّبَك. وبه انتصب التقلُّب بالعطف على القيام، وجاء في التفسير: تقلُّبَك في الأصلاب الزاكية، والأرحام الطاهرة، لم يتَّفق لك أوانٌ على سفاح قط، كذلك رُوي عن النبيّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)) [قوت القلوب ج2 ص145].
3ـ وقال الماورديّ: (وأمَّا طهارة مولده، فإنَّ الله تعالى استخلص رسوله من أطيب المناكح، وحماه من دنس الفواحش، ونقله من أصلاب طاهرة إلى أرحام طاهرة، وقد قال ابن عبَّاس (رضي الله تعالى عنه) في تأويل قول الله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. أي تقلُّبَك من أصلابٍ طاهرة من أبٍ بعد أب إلى أنْ جعلتك نبياً، وقد كان نور النبوَّة في آبائه ظاهراً) [أعلام النبوة ص201].
4ـ وقال الشيخ الطبرسيّ في تفسير الآية المباركة: (وقيل: معناه وتقلُّبَك في أصلاب الموحِّدين من نبي إلى نبي، حتَّى أخرجك نبياً، عن ابن عبَّاس في رواية عطاء وعكرمة، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (صلوات الله عليهما) قالا: في أصلاب النبيين، نبي بعد نبي، حتَّى أخرجه من صلب أبيه، من نكاح غير سفاح، من لدن آدم) [مجمع البيان ج7 ص357].
5ـ وقال ابن شهر آشوب في تفسير الآية المباركة: (فيه دلالة على أنَّ آباءه (عليهم السلام) كانوا مسلمين إلى آدم، ولم يكن فيهم من يعبد غير الله تعالى، ولو أراد ساجدي الأصنام لما منَّ عليه بذلك، لأنَّ المنَّ عليه بالكفر قبيح) [متشابه القرآن ومختلفه ج2 ص21].
6ـ وقال السيد شرف الدين الاسترآباديّ: (روى محمَّد بن العبَّاس بالإسناد عن أبي الجارود، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾، قال: يرى تقلُّبه في أصلاب النبيِّين، من نبيٍّ إلى نبي، حتَّى أخرجه من صلب أبيه، من نكاح غير سفاح من لدن آدم (عليه السلام)) [تأويل الآيات ج1 ص396].
7ـ وقال العلَّامة المجلسيّ: (قال أبو جعفر محمَّد بن علي الباقر (عليه السلام) ... إلى قوله: فرسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أوَّل من عبد الله تعالى، وأوَّل من أنكر أنْ يكون له ولد أو شريك، ثمَّ نحن بعد رسول الله. ثمَّ أودعنا بذلك النور صلب آدم (عليه الصلاة والسلام)، فما زال ذلك النور ينتقل من الأصلاب والأرحام من صلبٍ إلى صلب، ولا استقر في صلب إلَّا تبيَّن عن الذي انتقل منه انتقاله، وشرف الذي استقر فيه حتَّى صار في صلب عبد المطَّلب، فوقع بأم عبد الله فاطمة، فافترق النور جزئين، جزء في عبد الله، وجزء في أبي طالب، فذلك قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾، يعني: في أصلاب النبيين وأرحام نسائهم، فعلى هذا أجرانا الله تعالى في الأصلاب والأرحام، وولدنا الآباء والأمَّهات من لدن آدم (عليه السلام)) [بحار الأنوار ج25 ص17 وما بعدها]، إلى غير ذلك.
الدليل الثالث: الروايات:
1ـ فقد روى الشيخ الصدوق بسنده عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جدِّه (عليهم السلام) قال: «لما كان من أمر أبي بكر وبيعة الناس له وفعلهم بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) ما كان ... إلى قوله (عليه السلام): أنشدك بالله، أنت الذي طهَّرك رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من السفاح من آدم إلى أبيك بقوله: أنا وأنت من نكاح لا من سفاح، من آدم إلى عبد المطلب أم أنا؟ قال: بل أنت» [الخصال ص548].
2ـ وروى الخزاز القمِّيّ بسنده عن أنس بن مالك، وفيه قوله (صلَّى الله عليه وآله): «خلقني الله (تبارك وتعالى) وأهل بيتي من نور واحد قبل أنْ يخلق آدم بسبعة آلاف عام، ثمَّ نقلنا إلى صلب آدم، ثمَّ نقلنا من صلبه في أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات» [كفاية الأثر ص70].
3ـ وروى الشيخ الطوسيّ عن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) أنه قال: «نقلني الله من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات، لم يدنسني بدنس الجاهلية». وقال: (وهذا خبر لا خلاف في صحَّته) [التبيان ج4 ص175].
4ـ وروى أيضاً بسنده عن نصر بن مالك، قال: سمعتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: «كنت أنا وعلي عن يمين العرش نسبِّح الله قبل أنْ يخلق آدم بألفي عام، فلما خلق آدم جعلنا في صلبه، ثمَّ نقلنا من صلب إلى صلب في أصلاب الطاهرين وأرحام المطهَّرات حتَّى انتهينا إلى صلب عبد المطَّلب» [الأمالي ص183].
5ـ وروى الفتَّال النيسابوريّ عنه (صلَّى الله عليه وآله)، وفيه: «لم يلتقِ لي أبوان على سفاح قط، لم يزل الله (عزَّ وجلَّ) ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة هادياً مهدياً حتَّى أخذ الله بالنبوَّة عهدي» [روضة الواعظين ص139].
6ـ وروى يوسف بن حاتم الشاميّ عن عليٍّ (عليه السلام) أنَّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) قال: «خرجتُ من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أنْ ولدني أبي وأمي، ولم يصبني من سفاح الجاهلية شيء» [الدر النظيم ص26].
7ـ وروى السيد فخَّار بن معد الموسويّ عنه (صلَّى الله عليه وآله) أنه قال: «لم يزل الله تعالى ينقلني من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهَّرات حتى أخرجني إلى عالمكم هذا» [إيمان أبي طالب ص57]. إلى غيرها من الروايات.
قال العلَّامة المجلسيّ: (أقول: الأخبار الدالَّة على إسلام آباء النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) من طرق الشيعة مستفيضة بل متواترة) [مرآة العقول ج ٢٦ ص549] وانظر أيضاً: [شرح أصول الكافي للمازندرانيّ ج12 ص529].
الدليل الرابع: الإجماع:
1ـ قال الشيخ الصدوق في اعتقاد الإمامية: (اعتقادنا في آباء النبيّ أنَّهم مسلمون من آدم إلى أبيه عبد الله، وأنَّ أبا طالب كان مسلماً، وأمُّه آمنة بنت وهب كانت مسلمة. وقال النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): خرجت من نكاح، ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم. وروي أنَّ عبد المطَّلب كان حُجَّةً، وأبا طالب كان وصيه) [الاعتقادات ص354].
2ـ وقال الشيخ المفيد: (اتفقت الإمامية على أنَّ آباء رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من لدن آدم إلى عبد الله بن عبد المطَّلب مؤمنون بالله (عزَّ وجلَّ)، موحِّدون له. واحتجُّوا في ذلك بالقرآن، والأخبار) [أوائل المقالات ص45].
3ـ قال الشيخ أبو جعفر الطوسيّ: (والذي قاله الزجاج يقوِّي ما قاله أصحابنا: أنَّ آزر كان جدَّه لأمِّه أو كان عمَّه؛ لأنَّ أباه كان مؤمناً من حيث ثبت عندهم أنَّ آباء النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) إلى آدم كلَّهم كانوا موحِّدين لم يكن فيهم كافر، وحجَّتهم في ذلك إجماع الفرقة المحقَّة، وقد ثبت أنَّ إجماعها حُجَّةٌ لدخول المعصوم فيها، ولا خلاف بينهم في هذه المسألة) [التبيان ج4 ص175].
4ـ وقال العلَّامة المجلسيّ: (أقول: الأخبار الدالَّة على إسلام آباء النبيّ (صلوات الله عليهم) من طرق الشيعة مستفيضة بل متواترة، وقد عرفت إجماع الفرقة المحقَّة على إسلام ولد إبراهيم بنقل المخالف والمؤالف، فالأخبار الدالَّة على أنه كان أباه حقيقة محمولة على التقية) [بحار الأنوار ج12 ص49].
5ـ وقال المولى المازندرانيّ: (قال الفاضل الأمين الاسترآباديّ ... انعقد إجماع الفرقة المحقة على أنَّ أجداد نبينا (صلَّى الله عليه وآله) كانوا مسلمين إلى آدم (عليه السلام)، وقد تواترت عنهم (عليهم السلام) نحن من الأصلاب الطاهرات والأرحام المطهرات لم تدنسهم الجاهلية بأدناسها) [شرح أصول الكافي ج12 ص529]، إلى غير ذلك.
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ القول بطهارة آباء النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) من الأمور الواضحة عند الأصحاب وفقاً للأدلَّة الدالَّة عليه، كما بيَّناه تفصيلاً .. والحمد لله ربِّ العالمين.


