الاثنين ٩ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ | 2026/04/27

معنى: «يصلح الله أمره في ليلة واحدة»

السؤال:
في الرواية عن أبي جعفرٍ (ع): «إنَّ صاحب هذا الأمر فيه سنةٌ من يوسف ابن أمةٍ سوداء، يصلح الله (عزَّ وجلَّ) أمره في ليلةٍ واحدةٍ..». السؤال: ما معنى «يصلح الله أمره في ليلةٍ»؟ فهل للغيبة فائدةٌ إذا أصلح الله للمهديّ أمره في ليلةٍ واحدةٍ؟ وهل أمره قبل هذه الليلة يكون فاسداً؟

 

الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
للإجابة عن هذا التساؤل ينعقد الكلام في مقاماتٍ ثلاثةٍ:

المقام الأوَّل: في بيان مصادر الحديث وطرقه وألفاظه:
إنَّ التعبير بأنَّ الله «يصلح أمره في ليلةٍ واحدةٍ» قد ورد في روايات الخاصَّة، وقريبٌ منه عند غيرهم، وإليك بعضها:

أما في مصادر غير الإماميَّة: 
فقد ورد الحديث في مصادر حديثيَّةٍ عديدةٍ عنده، منها:  
1ـ ما أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد بن حنبلٍ وغيرهما بالإسناد إلى إبراهيم بن محمّد ابن الحنفيَّة، عن أبيه، عن عليٍّ، قال: قال رسول الله (ص): «المهديُّ منّا أهل البيت، يصلحه الله في ليلةٍ» [المصنف ج7 ص513، مسند أحمد ج2 ص 74، سنن ابن ماجة ج5 ص541، مسند أبي يعلى ج1 ص359، الفتن لابن حمَّاد ص 255، وينظر: المهدي المنتظر للبستوي ص147 وما بعدها]. 
وهذا الحديث صحَّحه ابن حجرٍ العسقلانيُّ والعلَّامة الألبانيُّ، وحسَّنه الحافظ السيوطيُّ [ينظر: تهذيب التهذيب ج11 ص172، صحيح الجامع الصغير وزيادته ج2 ص1140، فيض القدير ج6 ص278].
2ـ وما أورده القاضي النعمان الإسماعيليُّ حيث قال: (وعن عليٍّ (عليه السلام): أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «المهديُّ منّا أهل البيت، يصلحه الله في ليلةٍ واحدةٍ») [شرح الأخبار ج3 ص384]. 
وذكر في موردٍ آخر: (وقال (صلى الله عليه وآله): «المهديُّ منّا أهل البيت، يصلح الله له أمره كلَّه في ليلةٍ واحدةٍ») [المناقب والمثالب ص394].
3ـ وما أخرجه محمّد بن سليمان الكوفيُّ الزيديُّ بالإسناد إلى عمر بن محمّد بن الحنفيَّة، عن أبيه، عن عليٍّ، قال: «المهدي منّا أهل البيت يصلحه اللّه في ليلةٍ» [مناقب الإمام أمير المؤمنين ج2 ص 112].

وأما في مصادر الإماميَّة:
فقد ورد ذلك في رواياتٍ عديدةٍ، أوردها الأعلام في كتب الحديث، وهنا أعرض بعض تلكم الروايات:
1ـ ما أخرجه الشيخ الصدوق بسنده إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبٍ (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «المهديُّ منّا أهل البيت يصلح الله له أمره في ليلةٍ». وفي روايةٍ أخرى: «يصلحه الله في ليلةٍ» [كمال الدين ج1 ص 152].
2ـ وما أخرجه الشيخ الصدوق أيضاً بسنده إلى أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) أنَّه قال: «في التاسع من ولدي سنةٌ من يوسف، وسنَّةٌ من موسى بن عمران، وهو قائمنا أهل البيت، يصلح الله تبارك وتعالى أمره في ليلةٍ واحدةٍ» [كمال الدين ج1 ص317].
3ـ وما أخرجه الشيخ الصدوق بسنده إلى أبي بصيرٍ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «صاحب هذا الأمر تغيب ولادته عن هذا الخلق كي لا يكون لأحدٍ في عنقه بيعةٌ إذا خرج، ويصلح الله عزَّ وجلَّ أمره في ليلةٍ واحدةٍ» [كمال الدين ج2 ص480].
4ـ وما أخرجه الشيخ النعمانيُّ بسنده إلى جابر بن يزيد الجعفيِّ قال: قال أبو جعفر محمّد بن عليٍّ الباقر (عليه السلام): «يا جابر، رجلٌ من ولد الحسين يصلح الله له أمره في ليلةٍ» [الغيبة ص282، وينظر: الاختصاص ص257].
5ـ وما أخرجه الشيخ النعمانيُّ بسنده إلى يزيد الكناسيِّ‌ قال: سمعتُ أبا جعفرٍ محمّد بن عليٍّ الباقر عليه السَّلام يقول‌: «إنَّ صاحب هذا الأمر فيه شبهٌ من يوسف، ابن أمةٍ سوداء، يصلح اللّه عزَّ وجلَّ له أمره في ليلةٍ واحدةٍ‌» [الغيبة ص228].

المقام الثاني: في دلالة الحديث ومعناه:
إنَّ الحديث يقول بأنَّ الله عز وجل يصلح أمر صاحب الأمر في ليلةٍ واحدةٍ، وهنا لا بد من الالتفات إلى أنَّ متعلق الإصلاح ليس شخص الإمام، وإنما أمر الإمام (عليه السلام)، وهذا الأمر هو ما يتعلَّق بالتهيئة لتبليغ الدين ونشر تعاليمه وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وأنْ يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، وهو أمرٌ جرى في الأنبياء كما ورد في خبر السيد عبد العظيم الحسنيِّ (رضوان الله عليه) حيث يقول: «دخلتُ على سيِّدي محمّد بن عليِّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالبٍ (عليه السَّلام‌) وأنا أريد أنْ أسأله عن القائم‌، أ هو المهديُّ‌ أو غيره. فابتدأني فقال لي: يا أبا القاسم‌، إنَّ القائم‌ منّا هو المهديُّ‌ الذي يجب أنْ ينتظر في غيبته ويطاع في ظهوره، وهو الثالث من ولدي. والذي بعث محمّداً (صلَّى الله عليه وآله‌) بالنبوَّة، وخصَّنا بالإمامة، إنَّه لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يومٌ واحدٌ لطوّل الله ذلك اليوم حتَّى يخرج فيه، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً، وإنَّ الله تبارك وتعالى ليصلح له أمره في ليلةٍ، كما أصلح أمر كليمه موسى (عليه السَّلام‌) إذ ذهب ليقتبس لأهله ناراً فرجع وهو رسولٌ نبيٌّ. ثمَّ قال (عليه السلام): أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج» [كمال الدين ج2 ص377].

وقد ورد في جملةٍ من الأخبار: أنَّ بين صاحب الأمر والأنبياء شبهاً، وأنَّ فيه (عليه السلام) سنَّةً منهم (عليهم السلام)، وإنَّ من الشبه أو السنَّة هو إصلاح أمره في ليلةٍ واحدةٍ، كما يمكن أنْ يُفهم من خبر الشيخ الصدوق عن أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) أنَّه قال: «في التاسع من ولدي سنةٌ من يوسف، وسنةٌ من موسى (ع)، وهو قائمنا أهل البيت، يصلح الله تبارك وتعالى أمره في ليلةٍ واحدةٍ» [كمال الدين ج1 ص317]. ويُفهم من الشيخ الصدوق هذا المعنى، إذ قال: (روي عن الصادق (عليه السَّلام‌) أنَّه قال لبعض أصحابه‌: «كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، فإنَّ موسى بن عمران (عليه السَّلام)‌ خرج ليقتبس لأهله ناراً فرجع إليهم وهو رسولٌ نبيٌّ») [كمال الدين ج1 ص151]، ثمَّ قال الصدوق: (فأصلح الله تبارك وتعالى أمر عبده ونبيِّه موسى (عليه السَّلام‌) في ليلةٍ، وهكذا يفعل الله تبارك وتعالى بالقائم الثاني عشر من الأئمَّة (عليهم السلام)،‌ يصلح له أمره في ليلةٍ كما أصلح أمر نبيِّه موسى (عليه السَّلام‌)، ويخرجه من الحيرة والغيبة إلى نور الفرج والظهور) [كمال الدين ج1 ص151].

وأمَّا الصيغة التي ذُكرت في كتب غير الإماميَّة: «يصلحه الله»، فإنَّه وإنْ كان ظاهرها بدواً أنَّ الإصلاح يرجع إلى شخص الإمام، إلا أنَّه غير مقبولٍ إذا كان بمعنى ترك الفساد، حتّى ذكر بعضهم أنَّ هذا ممَّا لا يجوز إطلاقه على الأنبياء والرسل [ينظر: تاج العروس، مادة صلح]، فتحمل - حينئذٍ - على غير ذلك، من قبيل قول القائل: (أصلح الله الأمير) وهي دعاءٌ له، أو حذف المضاف مع وجود القرينة، فيكون التركيب: (يصلح الله أمر المهديّ)، وهو جائزٌ في اللغة، بل هو المتعيِّن بملاحظة الروايات الواردة بصيغة: «يصلح أمره».

خلافاً لما ذهب إليه ابن كثيرٍ في تفسير الخبر حيث قال: («‌يصلحه ‌الله في ليلةٍ»، أي: يتوب عليه ويوفقه ويفهمه ويرشده بعد أن لم يكن كذلك) [النهاية في الفتن والملاحم ج1 ص55، البداية والنهاية ج19 ص62]. 
فإنَّ هذا التفسير لا يمكن قبوله البتة؛ ولذا فإنَّ جملةً من علماء غير الإماميَّة إمَّا لم يقبلوا بالحديث أو جاؤوا بتفسيراتٍ مختلفةٍ، مما يظهر منها عدم استظهارهم ما فهمه ابن كثيرٌ، وإليك بعض كلماتهم:
قال القاضي النعمان الإسماعيليُّ: («يصلحه الله في ليلةٍ واحدةٍ» ليس ذلك أنَّه كان فاسداً فيصلحه، ولكنه من قول القائل: فلانٌ يصلح لأمر كذا، إذا كان أهلاً لذلك الأمر، كذلك رآه الله تعالى أهلاً لما صار إليه ورآه كذلك بتوفيقه من كان أمر الإمامة إليه في وقته قبل مصيره إليه، فسلّم أمرها إليه في ليلةٍ واحدةٍ أراه اللّه ذلك فيها) [شرح الأخبار ج3 ص384].
وقال الأمير الصنعانيُّ: («يصلحه الله في ليلةٍ» أي: يتمُّ له الأمر، ويظهره على من ناوئه في ليلةٍ واحدةٍ، لتكون من خوارق أحواله) [التنوير في شرح الجامع الصغير ج10 ص493]. 
وقال الملَّا علي القاريُّ: (أي: يصلح أمره ويرفع قدره في ليلةٍ واحدةٍ، أو في ساعةٍ واحدةٍ من الليل، حيث يتّفق على خلافته أهل الحلِّ والعقد فيها) [مرقاة المفاتيح ج8 ص3439]. 
وقال صالح عبد العزيز آل الشيخ في دروسه الصوتيَّة: (وقوله (ص): «‌يصلحه ‌الله ‌في ‌ليلةٍ»، اختلف العلماء فيه، هل معناه: أنَّه يصلحه في أمر دينه ولم يكن صالحاً، أو أنَّه يصلحه لأمر الولاية وإمارة الناس؟ والأظهر هو الثاني، أنَّه ‌يصلحه ‌الله ‌في ‌ليلةٍ لإمارة الناس ولقيادتهم) [إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل ص692]. 

فلا يمكن حمل هذه اللفظة على أنَّ الإصلاح يرجع إلى شخص الإمام (عليه السلام) كما ذهب إليه ابن كثيرٌ ومن تابعه، حتّى أنَّ أبا عبية – المعلِّق على النهاية – اعترض على كلام ابن كثيرٍ وقال: (والعجب أن يكون المهديُّ بعيداً عن التوفيق والفهم الشديد، ثمَّ تهبط عليه هذه المعاني فجأةً في ليلةٍ ليكون في صبيحتها داعية هدايةٍ ومنقذ أمةٍ) [النهاية في الفتن والملاحم ج1 ص50 الحاشية]. وهذا التعليق صحيحٌ منه، وليس الأمر كما توهَّمه التويجريُّ أنَّ هذا من التردُّد في كمال قدرة الربِّ تبارك وتعالى ونفوذ مشيئته وإرادته [ينظر: إتحاف الجماعة ج2 ص277]، فإنَّ مَن يختاره الله ليكون لهذا المنصب لا يمكن أن يكون من أهل الضلال ثمَّ يصلحه الله في ليلةٍ -كما هو مقرَّرٌ في محلّه -، وإلَّا انتفى الغرض وكان الهرج والمرج.

المقام الثالث: التوفيق بين إصلاح الأمر في ليلةٍ وبين فائدة الغيبة:
ورد في السؤال: ما الفائدة من غيبته إذا أصلح الله للمهديّ أمره في ليلةٍ واحدةٍ؟
نقول: هذا التساؤل يستبطن في داخله حصر غرضٍ معيَّنٍ لغيبته (عجل الله فرجه الشريف)، فكأنَّما يرى السائل أنَّ هذا الغرض ينتفي إذا أصلح الله أمره في ليلةٍ واحدةٍ. ولكنَّه ليس كذلك، فقد ورد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) أكثر من غرضٍ للغيبة، عقد لها الشيخ الصدوق باباً في كتابه (كمال الدين) بعنوان (باب علَّة الغيبة)، فممَّا جاء في الروايات من أغراضٍ وحكمٍ: خوف القتل، ومنها: لئلَّا يكون في عنقه بيعةٌ لأحدٍ، ومنها: لكي تجري فيه سنن الأنبياء (ع) في غيباتهم، ومنها غير ذلك، وقد جاء في بعض الروايات: أنَّ الغرض الحقيقيَّ لا ينكشف إلَّا بعد الظهور المقدَّس، ولتفصيل ذلك يمكن مراجعة بعض الأجوبة السابقة المنشورة على موقع المركز، مثل الجواب المنشور بعنوان: (ما هي فلسفة غيبة الإمام المهديّ (عج)؟).
والحمد لله ربِّ العالمين.

البريد الالكتروني : info@m-alzahra.com

هاتف : +9647875600801 - +9647875600801

العنوان :النجف الأشرف - المدينة القديمة - نهاية شارع الرسول (ص)