الاثنين ١٠ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ | 2026/08/24

هل الدين نتاج طبيعي للفقر؟

السؤال: 

الدول الغنيَّة العلمانيَّة يكثر فيها الإلحاد والابتعاد عن الدين؛ لأنَّهم ليسوا بحاجةٍ إلى الدعاء لتحقيق أحلامهم، وليسوا بحاجةٍ إلى إلهٍ ليحميهم ويستردَّ لهم حقوقهم المكفولة بالقانون، بعكس الدول الفقيرة والمليئة بالأزمات الاقتصاديَّة والحروب والفساد، فيكثر فيها التديُّن واللجوء إلى المعابد والجري خلف رجال الدين؛ لأنَّه لا ملجأ لهم سوى الإله؛ لهذا نجد رجال الدين يشجِّعون على الحروب، ويحاربون القوانين العلمانيَّة، ويسعون إلى تخلُّف الدولة خوفاً على مصالحهم التي ستنتهي بتقدُّم الدولة وتطوُّرها

 

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الخطأ الأكبر في هذه الدعوى أنَّها تتعامل مع الدين وكأنَّه مجرد وسيلةٍ للحصول على الطعام أو الأمن أو استرداد الحقوق، وكأنَّ الإنسان لا يلجأ إلى الله إلَّا عندما يعجز عن حلِّ مشكلاته الماديَّة. 

بينما السؤال الدينيُّ أعمق من ذلك بكثيرٍ، فالإنسان لا يسأل عن الله لأنَّه جائعٌ، بل لأنَّه يسأل عن أصل وجوده، وعن معنى الحياة، وعن الخير والشرِّ، وعن الموت، وعن العدالة التي قد لا تتحقَّق في الدنيا، وعن الغاية التي خُلق من أجلها. وهذه أسئلةٌ لا تلغيها وفرة المال، ولا تجيب عنها القوانين، ولا تحسمها التكنولوجيا.

 

فهل يستطيع أغنى إنسانٍ في العالم أنْ يشتري الخلود؟ وهل يستطيع القانون أنْ يمنع الموت؟ وهل يستطيع التقدُّم العلميُّ أن يجيب عن سؤالٍ: لماذا وُجد الكون أصلاً؟ ولماذا ينبغي للإنسان أنْ يكون عادلاً إذا تعارض العدل مع مصلحته؟ وما قيمة الحياة إذا انتهت بالموت ولم تكن وراءها غايةٌ؟ إنَّ هذه أسئلةٌ فلسفيَّةٌ ووجوديَّةٌ لا تختفي بارتفاع مستوى الدخل، ولا تسقط بمجرد أنَّ الدولة نجحت في توفير العلاج والتعليم والأمن.

 

ومن هنا، فإنَّ تصوير الدين على أنَّه حاجةٌ تخصُّ الفقراء والعاجزين يقوم على اختزال الإنسان في حاجاته الماديَّة، وكأنَّه لا يحتاج إلَّا إلى الطعام والمسكن والقانون. وهذا تصوُّرٌ سطحيٌّ لطبيعة الإنسان؛ لأنَّ الإنسان لا يبحث فقط عمَّا يعيش به، بل يبحث أيضاً عمَّا يعيش من أجله. وقد يملك المال والأمن والرفاه، ثمَّ يبقى حائراً أمام الموت والقلق والمعنى والمصير.

 

ثمَّ إنَّ هذا الكلام يجمع بين التعميم والانتقاء، ويقفز من مجرد ملاحظة بعض الظواهر إلى الجزم بأنَّها السبب الحقيقيُّ لها، من غير دليلٍ. فكون بعض الدول الغنيَّة أقلَّ تديُّناً لا يثبت أنَّ الغنى هو الذي ألغى الإيمان، كما أنَّ كثرة التديُّن في بعض الدول الفقيرة لا تثبت أنَّ الفقر هو الذي خلق الدين.

 

فالإنسان قد يكون مؤمناً لأنَّه اقتنع بوجود الله، لا لأنَّه فقيرٌ، وقد يكون ملحداً بسبب بيئته الفكريَّة أو تربيته أو موقفه الفلسفيِّ، لا لأنَّ رخاءه الاقتصاديَّ أثبت له عدم وجود الله، ولو كان الفقر هو الذي يصنع التديُّن، والغنى هو الذي يصنع الإلحاد، لوجب أن يكون جميع الفقراء مؤمنين وجميع الأغنياء ملاحدةً، وهو أمرٌ يكذِّبه الواقع.

 

وعليه، حتَّى لو سلَّمنا جدلاً بأنَّ الفقراء أكثر تديُّناً، والأغنياء أكثر إلحاداً، فإنَّ هذا لا يثبت صحَّة الإلحاد ولا بطلان الدين، فهذا كلُّه بحثٌ في دوافع الناس، لا في حقيقة ما يؤمنون به.

 

فالظواهر الاجتماعيَّة لا تُفسَّر بعاملٍ واحدٍ، فضعف التديُّن في بعض المجتمعات قد يرتبط بتاريخ الصراع بين الكنيسة والعلم، أو بممارسات المؤسَّسات الدينيَّة، أو بسياسات التعليم والإعلام، أو بطبيعة الثقافة السائدة، أو بالنزعة الفرديَّة والاستهلاكيَّة. كما أنَّ قوَّة التديُّن في مجتمعاتٍ أخرى قد ترتبط بالتربية والهويَّة والثقافة والاقتناع العقائديِّ، لا بمجرد الفقر والحاجة.

 

صحيحٌ، قد يدفع الرخاء بعض الناس إلى الغفلة، أو قد يشعرهم بالاكتفاء والاستغناء، إلَّا أنَّ ذلك لا يقدِّم برهاناً على عدم وجود الله. فهناك فرقٌ كبيرٌ بين أن يزول الدليل على وجود الله، وبين أن ينشغل الإنسان عنه. فالترف قد يضعف الشعور بالحاجة، لكنَّه لا يجيب عن الأسئلة الوجوديَّة، ولا يحوِّل الإلحاد إلى حقيقةٍ علميَّةٍ.

 

كما أنَّ الفقر قد يدفع الإنسان إلى كثرة الدعاء واللجوء إلى الله، لكنَّه لا يعني أنَّ الإيمان نشأ من الفقر. فالشدَّة تكشف ما في النفس، وقد تدفع الإنسان إلى مراجعة الأسئلة التي كان يتجاهلها في زمن الراحة. والإنسان عند الخطر لا يخترع بالضرورة ما يؤمن به، بل قد يستحضر ما كان غافلاً عنه.

 

فالسؤال الحقيقيُّ ليس: لماذا آمن هذا الإنسان؟ ولماذا ألحد ذاك؟ وإنَّما: هل الله موجودٌ أو لا؟ وما الأدلَّة على وجوده؟ وهل الدين حقٌّ أو باطلٌ؟

 

فتفسير دوافع الاعتقاد لا يغني عن مناقشة دليل الاعتقاد، ولو كان منشأ الفكرة النفسيُّ كافياً لإبطالها، لأمكن أن يقال إنَّ الإلحاد نفسه وليد الرغبة في الاستقلال عن سلطة الدين أو الهروب من المسؤوليَّة الأخلاقيَّة، ثمَّ يُعدُّ ذلك دليلاً على بطلانه، لكنَّ هذا الأسلوب لا يصحُّ في الاتجاهين؛ لأنَّ الأفكار لا تبطل بتشخيص دوافع أصحابها، وإنَّما تناقش بأدلَّتها.

 

ثمَّ إنَّ القول إنَّ الناس في الدول المتقدِّمة لا يحتاجون إلى الله؛ لأنَّ القانون يحفظ حقوقهم، يقوم على خلطٍ آخر بين وظيفة القانون ووظيفة الدين؛ فالقانون ينظِّم العلاقات الظاهرة، لكنَّه لا يجيب عن معنى الوجود، ولا يصنع وحده الضمير، ولا يمنع الإنسان من الظلم إذا أمن العقوبة، ولا يضمن تحقيق العدالة كاملةً.

 

فكم من مظلومٍ لم ينصفه القانون، وكم من مجرمٍ أفلت من العقاب، وكم من جريمةٍ ارتُكبت باسم القانون نفسه. بل إنَّ كثيراً من الحروب والاستعمار والتمييز والاضطهاد جرى في دولٍ تملك قوانين ومؤسَّساتٍ حديثةً؛ فوجود القانون لا يعني زوال الظلم، ولا يجعل الإنسان مستغنياً عن الإيمان بالعدالة الإلهيَّة والمسؤوليَّة الأخلاقيَّة.

 

والقانون نفسه لا يعمل في فراغٍ أخلاقيٍّ؛ فهو يحتاج إلى قيمٍ سابقةٍ عليه تحدِّد ما هو العدل وما هو الظلم، وما الذي ينبغي حمايته أو تجريمه. فإذا قيل إنَّ القانون هو المرجع النهائيُّ، بقي السؤال: من الذي يضع القانون؟ وبأيِّ معيارٍ نعرف أنَّ هذا القانون عادلٌ؟ فقد تصدر الدولة قانوناً يشرعن الظلم أو الاحتلال أو العنصريَّة، فهل يصبح الظلم عدلاً بمجرد صدوره عن مؤسَّسةٍ قانونيَّةٍ؟

 

أمَّا الانتقال من هذه الدعوى إلى القول إنَّ رجال الدين يشجِّعون الحروب ويحاربون القوانين المدنيَّة ويسعون إلى إبقاء الناس في التخلُّف، فهو ليس استدلالاً، وإنَّما اتهامٌ جماعيٌّ للدوافع من غير برهانٍ.

 

فوجود رجل دينٍ فاسدٍ أو مستفيدٍ من جهل الناس لا يثبت أنَّ الدين نفسه يقوم على الجهل، كما أنَّ وجود طبيبٍ يستغلُّ المرضى لا يعني أنَّ الطبَّ يتمنَّى انتشار الأمراض، ووجود سياسيٍّ فاسدٍ لا يعني أنَّ السياسة لا تقوم إلَّا على الفساد.

 

ولا يمكن تجاهل أنَّ كثيراً من رجال الدين وقفوا ضدَّ الظلم والاستبداد والاستعمار، ودفعوا حياتهم أو حريَّتهم ثمناً لمواقفهم. والأنبياء (عليهم السلام) أنفسهم لم يكونوا حلفاء للطغاة، بل واجهوا فرعون ونمرود والمترفين والمستكبرين، وتحمَّلوا الأذى؛ لأنَّهم طالبوا بالعدل والإصلاح.

 

والإسلام في نصوصه لا يدعو إلى الفقر ولا إلى تعطيل الدولة، بل يحثُّ على العلم والعمل وإعمار الأرض، ويأمر بالعدل، ويحرِّم أكل أموال الناس، ويطالب برعاية الضعفاء، ويجعل مكافحة الفقر مسؤوليَّةً اجتماعيَّةً. فكيف يكون الدين قائماً على إبقاء الناس فقراء، وهو الذي يأمر بإغنائهم ورفع الظلم عنهم؟

 

ومن المغالطة أيضاً افتراض أنَّ تقدُّم الدولة يؤدِّي بالضرورة إلى زوال الدين. فالتقدُّم الماديُّ لا يساوي النضج الأخلاقيَّ، ولا يعني أنَّ المجتمع أصبح قادراً على الاستغناء عن المعنى والقيم. فقد تتقدَّم دولةٌ في الصناعة والتقنية، ثمَّ تستخدم هذا التقدُّم في صناعة أسلحة الإبادة أو السيطرة على الشعوب ونهب ثرواتها. فالعلم يمنح الإنسان القدرة، لكنَّه لا يحدِّد له دائماً كيف يستخدم هذه القدرة.

 

فالطائرة يمكن أنْ تحمل الدواء، ويمكن أنْ تحمل القنبلة، والتقنية يمكن أنْ تخدم الإنسان، ويمكن أنْ تحوِّله إلى سلعةٍ، الأمر الذي يجعل السؤال الأخلاقيَّ والدينيَّ قائماً دائماً، ولا يمكن الاستغناء عنه.

 

وفي المحصِّلة، فإنَّ هذه الدعوى لا تقدِّم برهاناً على أنَّ الدين صناعة الفقر، ولا أنَّ الإلحاد ثمرةٌ طبيعيَّةٌ للتقدُّم، وإنَّما تختزل ظاهرةً إنسانيَّةً وفكريَّةً معقَّدةً في تفسيرٍ ماديٍّ بسيطٍ، ثمَّ تبني عليه اتِّهاماً عامّاً لرجال الدين.

 

فالغنى لا يجيب عن معنى الحياة، والقانون لا يلغي الحاجة إلى الأخلاق، والتقدُّم لا يثبت عدم وجود الله، والفقر لا يخلق الدين من العدم. وقد يرفع التقدُّم عن الإنسان بعض حاجاته، لكنَّه لا يحرِّره من الموت، ولا من سؤال الغاية، ولا من حاجته إلى العدالة والمعنى.

 

ولهذا، فإنَّ القضيَّة لا تُحسم بالسؤال عن مستوى دخل المؤمن أو الملحد، بل بالسؤال عن قوَّة الدليل. فالحقُّ لا يصبح باطلاً لأنَّ الفقراء آمنوا به، ولا يصبح الباطل حقّاً لأنَّ الأغنياء اعتنقوه.

.

البريد الالكتروني : info@m-alzahra.com

هاتف : +9647875600801 - +9647875600801

العنوان :النجف الأشرف - المدينة القديمة - نهاية شارع الرسول (ص)