الثلاثاء ٢٨ شعبان ١٤٤٧ هـ | 2026/02/17

هل كان النبي (ص) صاحب رسالة أم صاحب امتيازات؟

هل خصائص النبيّ (ص) نابعةٌ من وحيٍ إلهيٍّ، أم من طبيعةٍ بشريَّةٍ؟
حينما أطرح مشروعاً تربويّاً وأقاتل بكلّ ما أملك من أجل تثبيته، فأوّل ما ينبغي عليَّ القيام به هو أنْ أمتنع عمّا أطلب من الآخرين الامتناع عنه، وألّا أُميّز نفسي عنهم في المأكل والملبس وسائر شؤون الحياة؛ لأنَّ القدوة الحقيقيَّة تبدأ من المشاركة في التّكليف لا من الاستثناء منه.
والمؤسف أنَّ الرّسول لم يكن كذلك؛ إذ حينما كانت الجيوش تغزو لم يكن يُقاتل معهم عادةً ولو بأبسط صور المشاركة، لكنّه كان ينال صفو الغنيمة منذ البداية وقبل التّقسيم؛ فله الجارية الجميلة، والدّابة الفارهة، والسّيف القاطع، أمّا الآخرون فيُقسَّم عليهم الباقي.
وفي الأموال المغتنمة والمستلبة جعل الخمس له منذ البداية، وإذا استسلم أهل قرية دون قتالٍ كان المال كلّه له، وسمّاه في أصواته القرآنيَّة الفيء.
أمّا في الزّواج، فقد فتح له المجال أنْ يتزوّج من يشاء دون ضابطٍ أو عددٍ أو شرط، بل يحقّ له أنْ يأخذ المتزوّجة من زوجها أو غير المتزوّجة وإنْ رفضت، بينما قُيّد أصحابه بأربعٍ لا غير.
إنَّ هذه المفارقات لا يمكن للباحث الّذي يحترم عقله ووعيه أنْ يتجاوزها دون توقّفٍ وتأمّلٍ عميق؛ لأنَّها تضعنا أمام سؤالٍ صعبٍ للغاية: هل يمكن أنْ تكون هذه الامتيازات نابعةً من وحيٍ إلهيٍّ متعال أم من طبيعة بشريَّة مرتبطة بالمصلحة والسّلطة؟!
فإنْ قلنا: إنَّها من موجودٍ أخلاقيٍّ متعالٍ اسمه الله، فعلينا أنْ نؤمن بأنَّ من فرضناه أخلاقيّاً لم يعد كذلك، وإنْ قلنا: إنَّها من محيطه وبيئته وزمنه، فقد سقطت صفة السّموّ والغيب عنها من الأساس. فتأمّل كثيراً.
هذه الادعاءات مبنيةٌ على طريقة "تجميع الامتيازات" ثم إيهام القارئ أنَّ كلَّ امتيازٍ هو تلقائياً مصلحةٌ شخصيَّة، مع إسقاطٍ متعمّدٍ للسياق التشريعيّ والتاريخيّ، وتجاهلٍ كاملٍ لمئات الشواهد التي لا تنسجم مع صورة "رسول المصالح" التي يريدها الكاتب، فلو كان المعيار هو: أيُّ حكمٍ يخصّ النبيّ إذن هو استثناءٌ نفعيّ، لزم أنْ تكون كلُّ وظائف القيادة في أيِّ مجتمعٍ "فساداً" لمجرّد أنَّها وظائف، وهذا ليس بحثاً، بل تحيُّزاً يريد نتيجةً مسبقةً ثم يفتّش لها عن ألفاظ.

فقوله: إنَّ النبيّ حين تغزو الجيوش "لم يكن يقاتل معهم عادةً"، ادعاءٌ يصطدم بالواقع التاريخيّ قبل أيّ نقاشٍ فلسفيٍّ. حضور النبيّ في بدرٍ وأحد والخندق وحنين والأحزاب وغيرها ثابت، بل إنَّه جُرح يوم أُحد، وكُسرت رباعيته وشُجّ وجهه، وكاد يُقتل لولا ثبات من ثبت حوله.
نعم، لم يكن يخرج في كلِّ سريةٍ صغيرةٍ؛ لأنَّ القائد الأعلى ليس جندياً في كلّ مناوشة، وترك المدينة بلا قيادةٍ كان يفتح ثغرةً وجوديَّةً على الدولة الناشئة، لكن تصوير ذلك كأنَّه "تهرّب من المشاركة" خداع لغويّ: القيادة وظيفة، وليست مجرد استعراض شجاعة، ومع ذلك مارسها ميدانياً حين اقتضت الضرورة، وقدّم من جسده وراحته ما لم يقدّمه كثيرٌ ممن يزايدون اليوم على "المساواة".

البريد الالكتروني : info@m-alzahra.com

هاتف : +9647875600801 - +9647875600801

العنوان :النجف الأشرف - المدينة القديمة - نهاية شارع الرسول (ص)