السبت ٨ شوال ١٤٤٧ هـ | 2026/03/28

هل يفعل المعصوم عليه السلام المكروه

السؤال: هل يصدر عن المعصوم فعل المكروه أم لا؟ وإذا جاز صدوره عنه، هل يُمكن له المواظبة عليه؟

الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الملاحَظ في سؤال الأخ السائل أنَّه يرجع إلى شقَّين، الأوَّل منهما في أصل إمكان صدور الفعل المكروه من المعصوم (عليه السلام)، والآخر في تكرُّر المكروه منه في حال إمكان ذلك؛ وعليه يقع الكلام في مقامين اثنين:
 
المقام الأوَّل: في فعل المعصوم (ع) للمكروه:
بادئ ذي بدء قد يُتوَهَّم وجود خلافٍ بين الأعلام في مسألة صدور المكروه من المعصوم (عليه السلام)، غير أنَّ التأمُّل في كلماتهم يكشف أنَّ مرادهم من فرض فعل المكروه إنَّما هو فيما إذا اقترنت به مصلحة معيَّنة، كأنْ يكون الغرض بيان الحكم الشرعيّ أو تحقيق غايةٍ راجحة. وعليه، فمع قيام تلك المصلحة لا يبقى الفعل المكروه مكروهاً في حقِّهم شرعاً، بل قد يتعيَّن ويصير واجباً بلحاظ تلك المصلحة أو مستحباً، وبهذا اللحاظ لا يكون المعصوم مرتكباً للمكروه واقعاً وإنْ بدا لنا بحسب الظاهر كذلك.
وبعبارة أُخرى: إنَّ (المعصوم (عليه السلام) بالنتيجة لم يفعل مكروهاً؛ لأنَّه بعد كون بيان الحكم الشرعيّ ذا مصلحةٍ راجحةٍ، فإنَّ الفعل يكون واجباً أو مستحباً، وهذا يعني أنَّ المعصوم (عليه السلام) لم يفعل إلَّا المستحب أو الواجب، وإنْ كان بحسب عنوانه الأوَّليّ مكروهاً) [يُنظر: روايات لعب الإمامين الحسنين في الميزان ص48، مع تصرُّف بالعبارة].
 
إليك عزيزي السائل جملةً من كلماتهم في هذا المجال:
1ـ قال صاحب المدارك (طاب ثراه) تعليقاً على لزوم غَسْل الوجه من أعلى الوجه إلى الذقن وليس منكوساً ما نصُّه: (هذا هو المشهور بين الأصحاب. واحتجَّ عليه في المنتهى بصحيحة زرارة، قال: حكى لنا أبو جعفر (عليه السلام) وضوء رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فدعا بقدحٍ من ماءٍ فأدخل يده اليمنى فأخذ كفَّاً من ماءٍ فأسدله على وجهه من أعلى الوجه. قال: وفعله إذا كان بياناً للمجمل وجب اتباعه فيه، وأيضاً نقل عنه (عليه السلام) حين أكمل وضوءه أنَّه قال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلَّا به». وأيضاً لا شك أنَّه (عليه السلام) توضأ بياناً، فإنْ كان قد ابتدأ بأسفل الوجه لزم وجوبه ولا قائل به، ويكون قد فعل المكروه، فإنَّ القائل بجواز النكس وافق على الكراهة، وهو منزَّهٌ عنه .... ومن ذلك يُعلم الجواب عن الثاني أيضاً، مع إمكان التزام جواز كون البدأة في وضوئه (صلَّى الله عليه وآله) وقعت بالأسفل وإنْ كان مكروهاً، لبيان الجواز) [مدارك الأحكام ج1 ص199]. فإنَّه علَّل فعله للكراهة لبيان حكم آخر، وهو الجواز.
2ـ وقال الشيخ محمَّد بن الحسن بن الشهيد الثاني (طاب ثراه) بعد تعليقه على الرواية، ما نصُّه: (لا ريب أنَّ ما تضمنه من كونه (عليه السلام) دعا بطست يدلُّ على أنَّ الاستدعاء ليس مكروهاً، لتنزههم (عليهم السلام) عن فعل المكروه، إلَّا أنْ يُقال: إنَّ فعله لبيان الجواز) [استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار ج1 ص393]. فإنَّه صرَّح بتنزُّه المعصوم (عليه السلام) عن فعل المكروه أصلاً، ثمَّ احتمل أنْ يكون ذلك من أجل مصلحةٍ راجحة، وهي بيان الجواز فيه.
3ـ وقال السيد محمَّد الشيرازيّ (طاب ثراه): (لا يخفى أنَّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وسائر المعصومين (عليهم السلام) لا يفعلون المكروه أيضاً، وإذا رأينا أنَّهم فعلوا ما الحكم فيه الكراهة ـ كما هو منقول عن الإمام الرضا (عليه السلام) من النوم قبل طلوع الشمس ـ فلابدَّ أنْ يكون هناك أحد أمرين: إمَّا أهمّ، يرفع الكراهة التي هي المهم، أو أنَّ الكراهة مرتفعة، لعلمهم بارتفاع علَّتها مما هو مخفيٌّ علينا، فلا كراهة.
بل ذكرنا في مبحث العقائد: أنَّهم (عليهم السلام) لا يفعلون ترك الأولى أيضاً؛ لأنَّ ترك الأولى مرتبةٌ من النقص، وهم (عليهم السلام) منزَّهون عن كلِّ نقص، وما ظاهره ذلك يؤوَّل، حاله حال ما ظاهره في القرآن الكريم من نسبة الجسميَّة ـ بظاهره ـ إلى الله سبحانه، تعالى الله عن ذلك ... وبذلك تبيَّن: أنَّ كلَّ قول وفعل وترك للنبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فهو مشمول لقوله تعالى:﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى﴾[النجم:4]، بلا أي تقييد، ولو مقدار شعرة) [الفقه (القانون) ص237]. فإنَّه واضح وصريح.
4ـ وقال الميرزا التبريزيّ (طاب ثراه) عندما سئل: (هل يفعل الإمام المعصوم (عليه السلام) المكروه قاصداً جواز فعله؟ فقال: باسمه تعالى: الإمام (عليه السلام) لا يداوم على فعل المكروه، ويُمكن أنْ يصدر ذلك منه إعلاماً للناس بأنَّ ذلك حلال، والله العالم) [صراط النجاة ج5 ص281]. فإنَّه بعد أنْ نفى تكرر فعل المكروه منه (عليه السلام) احتمل أنْ يكون ذلك لمصلحةٍ راجحة، وهي بيان الجواز، كما تقدَّم نظيره.
5ـ وقال السيد الروحانيّ (طاب ثراه) عندما سُئل: (هل الإمام المعصوم (عليه السلام) يفعل المكروه لبيان حكمٍ شرعيٍّ، أو اقتضاء المصلحة؟
 فقال: نعم، إذا توقَّف بيان الحكم الشرعيّ الذي فيه مصلحة أقوى، ووقع التزاحم بحسب حكم العقل لابدَّ من الفعل المكروه؛ لأجل رعاية تلك المصلحة الأقوى، وأنَّه (عليه السلام) إنَّما يفعل المكروه فيها ـ أي الأمور العباديَّة ـ لو توقَّف عليه بيان الحكم، وإلَّا لما كان يفعله) [يُنظر: روايات لعب الإمامين الحسنين في الميزان ص47].
6ـ قال أيضاً في الموقع الرسميّ في جواب سؤالٍ وجِّه إليه: (ما ينفرد بروايته أبناء عامَّة، بحيث أنَّه لا يُروى إلَّا من طرقهم نحن لا نعوِّل عليه، لأسبابٍ مذكورة في محلِّها، والرواية المذكورة من تلك الروايات، هذا بالإضافة إلى عدم استقامة الرواية المذكورة دلالة، حيث يستفاد منها ارتكاب الصدِّيقة الطاهرة للمكروه ـ وهو النوم بين الطلوعين ـ من دون عذر، كما يدل عليه توبيخه‏ (صلَّى الله عليه وآله) لها وهي المعصومة بلا إشكال، وعصمتها مانعة عن ذلك. والله العالم) [الموقع الرسميّ للسيد الروحانيّ].
7ـ وقال السيد علي رضا الحائريّ (طاب ثراه) في تقرير درسه الأصوليّ: (والصحيح بالنسبة إلى النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وأهل بيته المعصومين (عليهم أفضل الصلاة والسلام) هو عدم صدور فعل المكروه وترك الأولى والمستحب منهم، لا لأنَّ عصمتهم تقتضي ذلك كي يناقش بأنَّ العصمة إنَّما تعيِّن عصمتهم عن العصيان وعن الخطأ والسهو والنسيان، ومن الواضح أنَّ فعل المكروه وترك الأولى لا هو عصيان ولا خطأ أو سهو أو نسيان، بل لما دلَّ من الروايات على أنَّهم أفضل من جميع الأنبياء السابقين، ولا شك في أنَّ مقتضى الأفضليَّة ذلك، فإنَّ من وجوه الأفضليَّة عدم صدور ما كان قد يصدر من الأنبياء السابقين أو من بعضهم من ترك الأولى) [تقرير الدرس الأصوليّ المنشور على موقع مدرسة الفقاهة].
إلى غيرها من كلمات الأعلام في هذا الشأن.
 
المقام الثاني: في تكرر فعل المكروه منه:
تبيَّن مما سبق أنَّ المعصوم (عليه السلام) منزَّهٌ عن فعل المكروه، وأنَّ فعله لِـمَا ظاهره الكراهة عندنا تابعٌ للملاك الآخر الذي يجعله واجباً أو مستحباً في حقِّه، كما بينا. وبذلك يتَّضح الجواب عن المقام الثاني بشكل واضح، وهو أنَّ تكرر ذلك منه ـ إنْ وجد ـ هو تكررٌ لما هو واجبٌ عليه أو مستحب، وليس مكروهاً.
 
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، هي أنَّ المعصوم (عليه السلام) لا يفعل المكروه، وإنَّما يفعل ما هو واجب عليه واقعاً أو مستحب وإنْ كان بحسب الظاهر من المكروهات، لما بينا آنفاً.
والحمد لله ربِّ العالمين
 

البريد الالكتروني : info@m-alzahra.com

هاتف : +9647875600801 - +9647875600801

العنوان :النجف الأشرف - المدينة القديمة - نهاية شارع الرسول (ص)